الأربعاء، 7 مارس 2012

ثلاثية المصري

ثلاثية المصري
حسن بدوي

طفل المداراة البهي يقوم من سفر إلى سفر
ويشبك في الهواء عبارة,
عشرين عاما أرجحته الفتنة اليقظى
                          على أسلاك حلم لا يغيب.
يقول لي: هذي البلاد تميمة للمشي,
فاحفظها قبيل الموت أو بعد الجنون
                            أنا المواقيت التي ستعود بالقطن المصري
                           فاحملوني,
                          ثم أحجية تراقبني
                          و أنثى تستعيد شهية السنوات.
كم قلقا سيطلبني؟
هنا عمال قلبي يحصدون بقولهم في ليلة التوباد
أرقدت الفتى في حوض ينسوني:
                 اتكئ فوق ارتعاشات الأمومة,
                 واستعد لرحلة يختار فيها الصحب صحبا
                 والحزين دموعه الفضلى.
الطريق قريبة من بؤبؤ الروح,
انسجمنا ساعة في الوجد وانفتح السبيل,
وهذه الأنثى التي راقصتها ستظل سوسنة الأقاليم.

الطفيليون يمتلكون أقبية,
ولكن سطح بيتك عائلي في أماسينا
                     ومحتك بقوس.
ليلنا خمر,
فطرز بردة للحالكات,
                 وليست الأعوام مملكة
                 ولكن الممالك حلمنا والقوم,
خذ شعري رهينا
       واختبره على حديدات الزنازين,
احتدادك في المقاهي رأفة,
هات السقاية وانسني بين التلاميذ,
استمع للصمت واشهد معصمي:
     أنا اشتعلت كمصطفى,
                             ونجوت.
هل يكفيكَ قرطُ جميلةَ الذهبيّ؟
كان عليكَ شمسٌ من حِسابٍ غابرٍ
فكسبتني.
عَلّقْ صباحي أو صباحَ السيداتِ العاشقاتِ
على فتيل ضمادة الشيخ المسِنِّ.
وعشْ على سُنَنِ البداوة،
هذه الأيدي ستخلق من مسامير القواربَ،
والأنوثةُ بيننا شِصٌّ تداريه العقائدُ،
عندنا عنب نؤجله على اسمِكَ،
هل ستعجبكَ الشطائرُ؟
ليس في عينيك ما ينبي بأني قد هزمتُ،
الوردُ مقصدُنا
وأنت الحاملُ الأبديُّ للنجوى وأبخرة المحبينَ،
التفتْ وأسأل صنائعكَ الأخيرةَ:
               من سيمنح للخليلِ الصفوَ؟
هذي ليلة أخرى لنا،
يا ربما هجسَ الحيارى بارتمائكَ في الهوى،
فامرحْ،
وسُقْ عمرك كبرهان على أن الزراعة مَجْدُ أمي،
     والتفلسف أول النزف.
ابنُ أختي أنتَ والمعنى يداك،
وأصدقائي من وصاياك القليلةِ طائلونَ،
عيونُنا أرقي من المُرَبَّعَة التي ترجوكَ،
            أو تحصي عليك الأضلعَ المخلوعةََ،
البلدُ الحرام مقرّحٌ
فاذهب طواعية إلى بدءٍ
جميلةُ تسكبُ الماءَ المقطّرَ فوق صدرِ المُتعبينَ،
وترشد الزوارَ للدنيا،
وتقرأ ما صنعت من الدفاتر عند أذْني،
صوتُها يلقي على الطرقات مِسْبَحةً،
تعدّ فطيرة للجائعين وتبداُ الاضراب.
لا ليلٌ بحجم طفولة،
طفلُ المداراة البهيّ يقوم من سفر إلى سفر،
ويطلق في البراح سحابة بيضاءَ
كم قلقا سيطلبني؟
هنا الفسطاط بنتك فادّخرْ مِسكا لها،
وقصاصتين من المواثيق.
الليالي ضيقات عن أصابعنا،
فخبّئْ وردة،
واذهبْ خفيفا كي تعود مع الصلاةِ،
النارُ موقدةٌ بصحنِ البيتِ،
سوف نعدّ شايَ الصبح:
كبرى العاشقات بجانبي،
فارجعْ بهرولةٍ لنشربَه معاً.


صلاح عدلي

خَلَت الأيادي من فتوحات الصبا
والقلب لا يخلو من الناي
اختلافات الليالي حكمةٌ يا صاحبي
وبشارةٌ،
لم قلت للرفقاء في اللحن الغريب:
        أتتركون جميلةً نهبًا لموتٍ جاهليٍّ؟
نامت الأوجاع وقتا
        واستفاقت فوق لحم العاطفينَ
ابدأ بلحمي واستعنْ بدمايَ كي تخطو إلى
                   العَلمِ المُرادِ.
هنا مَدَى
ليست عليك لياسمين مودّة
قبّلتها وشرحت درسكَ باستفاضة مُلهَمٍ
وتركت في ذيل الفساتين اليمامةَ
كنت ترمقني وراء الباب
ألعقُ قشدةً ريفيّةً من حلْمتَين
فخنتني بالهجر
موعدنا المعلّقُ لم يحن
لا تنتظرني في الميادين التي عرفوا خصائصها
على كفّيكَ والقمصانَ
هل حلّقتَ أم عاصرت بادرةَ التأزم؟
مستمرٌ أنتَ في عهدي
ومخلوعٌ على العتباتِ
لا غفرانَ يُرضي ساعديكَ سوى انكسار المُترفينَ
عليكَ أغنيتي ولهفُ جميلةً المخطوفُ
قلنا في المساءِ المشتَهى:
ليت المآقي حُرّةٌ لنكون مدرارينَ
أنت خرجت من أسر المراراتِ
استرح يومين من عينيك والجدلِ
استمعْ لي
ليس بين الحزب والشّعر اتفاقٌ طائفيِّ
فالضلوع وسيعةٌ
ورجاء أجمل من ملائكة محنّطةٍ
خطوت إليّ عَكسَ القلبِ هيمانا
فقل لي: كيف سرّبت البيان إلى يديّ
          وأنت تقذف بالكُرات إلى شباك فريقنا القرويّ؟
قالت لي جميلةٌ:
          لستُ أعرف أنه من طينة الكهانِ
قلتُ: شقيقُ بنتي،
                      وانفعالتُه تقّيةٌ رحمةٍ


شَرِبتْ عصافيرُ الشوارع من يدي
وحديقةُ الحيوان مقفرةٌ
سوى من عاشقٍ فردٍ يحط غزاله فوق الغزال
                     وينثني.
لا تنتظرْني في الميادين التي كشفوا لغات نخيلها.
                 أو سجّلوا بصماتِها فوق البنفسجِ
حِدْ عن المعلومِ من خطو
أنا لم أنهِ بين يديك أسئلتي،
ولم أشرحْ غرامي في اجتماع الدعوة السنويّ.
موعدُنا المعلّق لم يحنْ
لا ترتقبني تحت أمطار الجنائن
هلْ أدلُّكَ أين أكمنُ؟
إنني في كفكَ اليُسرى أعيشُ
أعدُّ بُرهاني لقهر خطابك السحريِّ
فافتحْ – حين ينطبق الحديدُ عليكَ –
                  كفّكَ كي تراني

ثم نكمل ما بتدأنا من حواراتٍ مؤرّقةٍ
ونضحكُ
           مَرّةً.



مبارك عبده فضل

راق الوجودُ على اليدين
وشفّ دهرٌ
كان يقطع هذه الأفلاكَ مَشْيًا،
يكشفُ البلح المخبّأَ للحياةِ،
وينتمي للمُضْمَر البشري.
نامت في وسادته هنيهتهُ على الأوطان
وانسابت مُنىً.
قلتُ: انقسامُ الوردِ لمْحٌ عابرٌ سيزولُ.
غامت مقلتاه كمُدْنَفٍ،
                    فمررتُ.
لا تحزنْ اذا انكسرتْ غصونٌ في تكيّتنا البعيدةِ،
هذه الأحلامُ طافحةٌ،
                   ولكنَّ الطرائقَ ذابلاتٌ.

أنت يا صوفيّ طائفة النهارييّن،
كيف ستربأ الصّدعَ القديم؟
أنا رأيتك في مسيري:

كنتَ خاطرةً ت}لبُ نفسها تحت القفاطين القديمة،
تهتدي بالروح في فيضانها الذاتيِّ،
تسكبُ للرعاة نصيبَكَ المقسومَ من
   قلقِ الجبين ومستحيلٍ أزهريٍّ،
ثم تخلعُ في الخليّة جُبّةً
            وتنام مثل الذئب.
رفرفةٌ ستنزلُ،
قاهراتٌ في الحواري،
قاهراتٌ في النجوعِ،
الشوقُ مشكلة وهذا القلب أضنته الرؤى،
يا شيخُ هل من جمرةٍ في النفْس؟
كانَ المغرَمُونَ أهلّةً والماءُ يحبو،
"قُرْنَةٌ" انتبهتْ عليكَ وأنتَ تصنعُ من
                        مآذنها المناجلَ للحصادِ الموسميِّ،
وتختفي في القاطراتِ.
العَزفُ موصولٌ فكيف يجوعُ نيليّون؟
ها بدني أستوي،
عِدني بأغنيةٍ لأعرف أنني لم أنشرخْ.
وادخلْ عليَّ بَنَقْدَتيْنِ،
ودلّني:
هل ستكفُّ كفّي عن ملاعبة الهياثم،
أم ترى ستعود للعزف؟
اعترفْ:
نوبيّةٌ هذي الحَصَاناتُ القليلةُ
فاختزنها ساعةً
واشرحْ فؤادكَ بانحلال الأرض في دمنا منابعَ
ليس في الوجع اختلافٌ
فاتجه لي لسألني:
متى سيحرّرُ الشّعرُ الأصابعَ؟
خُصّني بالقول،
أثقلَكَ التشرذمُ،
فانحنيتَ على الحمام كأنْ ستحصي الضائعات،
وكنتَ تهمس:
       يا جميلةُ جَهِّزي الشُّعراءَ،
أنت أخو أبي،
فاحفظْ مواويلَ الصبابة تحت شرياني
ولا تغْفِلْ دواءَ الضّغْطِ،
أمي فوق رأسك بانشراخيْن،
افترضْ خيرا ولا تغمضْ مُفَتّحةً،
فهم يترصّدون مسيرَ رأسكَ حين تيْنعُ.
هذه الأحلامُ ممكنةٌ،
فقُم سيرًا على قدميكَ نحو نوافذي:
           أعط الجميلةَ لي.
           وسلِّمني الإشاراتِ الضرورياتِ.
هل أُبلغتَ أن زنازن الرؤيا
اسمُها الحركيُّ في هذا الدجى:
                              حُرّيّةٌ؟
أكتوبر 1989

الاثنين، 30 يناير 2012

صائد العيون

صائد العيون

شعر: حلمي سالم

علّمني كهّاني أن أتخصص في البؤبؤ.
فالبؤبؤ جوهرة المرء،
كما أن التصويب عليه بحرفنة
برهانُ الموهبة الربانية،
أوسلمة ترق في درجات الرضوان.
أنا القرنيات هيامي،
لا الصدر ولا البطن ولا الرأس
تهيّج لذة فوهتي والناشنكاه،
فقد دربتُ الماسورة في ليل الكهان
علي شهوة أن تسكن ورداتي
بين الرمش وبين الرمش.
أنا أكره كل عيون بني آدم،
فعيون المرء هي البوابات،
هي الكشّافة لسواد النفس السوداء،
هي الفضّاحة للبطش.
بليل يهجم ماضي الموغل فيّ عليّ:
عيون فقير هزمتني
حين تجبّرتُ بجاه الأهل،
وكنت أظن الجاه يكسره ويرممني،
نظرات فتاة القرية سخرت مني،
حين زهوت بنجمات تلألأ في كتفيّ،
وأعطت فلتها للنسّاج المتقشّف،
حين ظننتُ النجمات تستّف طبقات
فوق الطبقات،
عيون الفتية في الميدان
تشظّت تحقيرا لخطاي،
إذا خطوي خرق الأرض،
وكنتُ تشرّبت سلافة: نحن الأعلون.
أنا أدّبني الشيخ
علي أن التنشين صبابات،
وعلي أن السكني بين الجفن وبين الجفن
هي الأدفأ،
حين يصير سواد الدنيا موعظة.
كان الدرسُ يقول:
الهدفُ هو الحلمُ النابضُ بين الهدبين،
فركّزْ في الخيط الواصل بين الفوّهة وبين
النظرات،
فذاك دليلُ التربية العليا.
كنتُ المتميز والمائز والممتاز:
فكلّ مراسيلي كانت إعلانا لرهافة حسّ
ومؤشر عافية لفؤادي،
فإذا نزّتْ عين الفتيان نضارتها
انفكّتْ عُقد في قاعي،
وإذا وضعتْ فوق عيون الشبّان ضمادات
بردتْ ناري،
وإذا غربتْ شمس تحت الحاجب،
أحسستٌ بتاج يعلو رأسي.
أنا قدمي أعلي من هامات الدهماء،
وسوف يهندم ربُّ العائلة
وشاح الفخر علي صدري،
ويلقبّني في الحفل:
القنّاص الأمثل،
وسيهديني الجنرالات ثلاث جوائز:
جمجمجة،
أكفانا،
أطباق عيون مفقوءة.


شعر: حلمي سالم

الأربعاء، 25 يناير 2012

الشيخ عماد عفت

الشيخ عماد عفت

شعر: حلمي سالم

سنصفُّك بجوار بن عليّ،
وننوّه: هذا سيد شهداء الجنّة
فيما هذا سيد شهداء العسكرِ
سنحط شريطاً أبيض فوق الرسمِ
ونكتب:
ذلك كبد الطائر
إذ رفرف مخفوراً بعشيرته:
خالد، مينا، عبد الجكم، وقاشوشُ،
بكير، مطارنةٌ عبّودي، والمعتزلة،
سالي، بسيوني.
كان التشريح يقول:
المرسال اخترق الرئة
إلى فقه المصلحة
فحمل تلاميذُ الكتّاب الروحَ الرائَح
ببخور الصندلِ
حتى صحن المسجدِ
حيث زرابيُّ وسندسةٌ
           ونمارقُ،
حينئذٍ طار
على الهامات
سجلٌ:
هذي زخاتٌ في
           الأضلاع
وذا طلق أفقيٌّ في
الرأس
وتلك خطوط
جنازيرَ مشرَّشةٌ فوق
           البطنِ.
أنا قلبي راض عن طيراني:
كنتُ الهمزةَ بين المنسيّين وبين العدل
وكنت الجسر الواصل بين العسرِ وبين اليسر
وكنت أرى أن الله هو اللطف.
حواريُّوك على الميسرة
شيُّوخك في الميمنة
فسِرْ بينهما مصطحباً أشباهك
للساحاتِ
وعلِّمهم أن المعرفة إذا اتسعت
ضاق عليها الثوب
وأن جنازات المرء مطالع كونشيرتو.
كان الرب سواسيةً
فتنحى الرُّكع بعد صلاة الغائب
كي يتلو الطائر في الرهط وصاياه:
أنا نجل الطهطاويِّ
فحطوا الجبّة فوق جدار العزلِ
أنا الشباك المفتوح على قنديلٍ
زيدوا الزيت لعل العصفورة تنجو
أخطأتُ بأجرٍ
وأصبتُ بأجرينِ.
المرسال اخترق الرئة
إلى فقه المصلحة
ولكن البسمة باقيةٌ
فخذوها مبتدأً في رأب الصدعِ.
الآن نصفُّك بجوار بن عليٍّ
ونباهي سُرَّاق النطفةِ:
هذا سيد شهداء الجنّة
فيما هذا سيد شهداء العسكرِ.
ليرددّ في الصحن غنائيون:
القِبلة حمّالةُ أوجه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القصيدة مهداه في ذكرى الأربعين لوفاة الشيخ الشهيد: عماد عفت


شعر: الشاعر حلمي سالم

نقلا عن مجلة المصور القاهرية  العدد 455 في 25 يناير 2012

الاثنين، 23 يناير 2012

أحمد حرارة

أحمد حرارة

شعر: حلمي سالم


عيناي مخصَّصتان لسنبلةٍ مقبلةٍ،
ذهبت واحدة للباريء
يوم الحزن السابق،
ذهبتْ ثانية للباريء
يوم الحزن اللاحق،
في الأولى: مُرٌّ،
في الثانية: مَرَارةْ
اليُسرى شاهدةٌ كيف يقوم الموتى
من كتب الموتى،
واليمنى شاهدةٌ كيف نُصر جنازاتٌ:
                                شارةْ
بينهما عجلات من بؤسٍ دائرةٍ،
                                دوّارة
عيناي مخصصتان لسنبلة مقبلة،
تستبدل بالبصر الزوّال بصائر أبدياتٍ،
من زرقاء يماماتٍ،
يكشفن وراء الأشجار
قيامةَ مدن منهارةْ
أهبُ القرنّيات لأولاد الأرصفة،
                          وتلميذ الفصل،
                          لوعد حبيبين بلُقيا
حتى لا يصعد فوق الربوة فقهاءُ الرجم،
ووكلاء التقطيع من الخلف،
بغارات ، ومغارات ، وإغارةْ
قالوا: نتجرُ مع المولى،
فإذا الشيطان شريكُ السّلعة:
بيعاً ، وشراءً ، وتجارةْ
وهنا صارت عيناي شرارةْ
كي يبصر أطفال البر الخطوات،
يعيدوا للأرض الرؤيا،
ولأفئدة المرتجفين الجمرةَ متوهجةً،
أطفالُ البرِّ همُ البَصّارةْ
عيناي مخصّصتان لسنبلةٍ مقبلةٍ
حتى يتخلص صبيانُ الحارات
من الشرطيّ،
ومن ضباط الصاعقة،
ومن شيخ إمارةْ
واحدةٌ للحزنٍِ الأولِ،
واحدةٌ للحزن الثاني،
في الأولى: مرّ،
في الثانية: مرارة
الليلة أقرأ تاريخي بالكفين،
أعالج مرضى الأسنان بأنفاسي،
فالأنفاس رسالاتٌ،
            وتحياتٌ
            وحرارة
والحكمةُ:
أن القرنية إن صفّاها الصائدُ،
تغدو في ليل الحيرانين: منارةْ
وأنا أعلم:
أن عَمَايَ هو المبصرُ،
أن أصابعَ كفيَّ:
حضارةْ



حلمي سالم

المرأة التي تعرّتْ أمام مجلس الوزراء

المرأة التي تعرّتْ أمام مجلس الوزراء

حلمي سالم



هذي غيبوبةُ شطحٍ صوفي:
حين انجرَّ الجسدُ علي الأسفلتِ
رأيتُ أبي
يطوي السجادةَ بعد صلاة الفجرِ،
ويختتم الوِرْدَ علي الدمعِ.
وحين هوتْ هرّاواتُ فوق الرأسِ
رأيتُ أبا العباسِ المرسِي
يسير بغير النعّل علي جمرِ،
ويطير علي أضرحةٍ
فيما الأضرحةُ تحفُّ بموجٍ يجري
خلف الموجِ،
علي كل ضريح
فَرَسُ نبي يركض جنبَ اللورّياتِ.
وهذي غيبوبةُ شطحٍ صوفي:
لما هَوَت الأحذيةُ علي نهدي
تبسَّمَ شبحٌ وهو يحدّثني:
نادي الحلاّجَ لينقذَكِ ولن ينقذَكِ الحلاجُ،
ونادِي المعتصمَ لينجيكِ ولن ينجيكِ المعتصمُ،
ونادي التوحيدي فلن يسمعكِ التوحيدي
لأنا سوفَ نصيرُ هذا الجسدَ الفائرَ
درساً في سوء الحظِ.
أما قلنا: قَرّي في البيتِ؟
أما قلنا: عِطرُكِ معصيةٌ،
وحبالُ الحنجرة ينابيعُ الإثمِ؟
أما قلنا: الأدني أدني؟
هذي غيبوبةُ شطحٍٍ سطح صوفي،
حين انتزع العسكرُ ثوبي
شفتُ الخِضْرَ يطوف علي الشهداء
بخبزِ الرحمنِ،
وشفتُ حُماةَ العِرْض يجرِّسهم جرحُ الطفلِ،
وشفتُ الطين علي كابِ العُقداء،
فقال دراويشُ الحَضْرةِ:
لستِ تبيتينَ علي ضَيمٍ.
هذه غيبوبةُ شطحٍ صوفي:
راياتٌ فوق مآذنَ ، ومريدونَ،
وموءوداتٌ، جُبَّةُ مصلوبينَ،
الحُورُ العينُ، رجالٌ قوّامونَ علي النسوةِ،
ويماماتٌ خضراءُ.
انزاحتْ غُمَّةُ شوْفٍ،
وانكشفَ حجاتُ،
فرأيتُ البلدَ الآمنَ:
مَسْخرَةً.

محمد هاشم

محمد هاشم

شعر: حلمي سالم



يأيتني الخاطرُ في ليلٍ:

ميريتْ قادمةٌ بقلادتها والثعبانِ،

فقمْ وزِّعْ للصبيان كماماتٍ

تحميهم من عفنِ السّمسّرةِ،

ولا تنسَ البطانيةَ كي يختبئ محبٌّ

من كرباج النهي عن المنكر.

يطلبني في الفجر حرافيشُ السيدةِ،

ويطلبني زعرانُ المنيل،

أتركُ دورانَ المطبعةِ على كتب الجغرافيا،

لأعاينَ دورانَ المطبعةِ الفطريةِ

فوقَ الإسفلتِ العامرِ بالجثثِ،

أشاهدُ ميريت قادمة بقلادتها والثعبانِ،

متوّجةً باللوتس،

وحواليها أربابُ الحِرَفِ المنتَهكَونَ،

فجاوبتُ الخاطرَ:

أخرجتُ الأدباءَ من الكتبِ،

وسرتُ بهم لأقاصي الأفئدةِ،

ولعنةِ منقرعَ.

رسمتُ على الأغلفةِ القنّاصينَ،

رسمتُ العربات مدرّعةً،

ورسمتُ النجمات على الكتف

تنزُّ دماءً طازجةً.

كان سُبُوعُ الوالدة مليئاً بالترمسِ،

فكأنْ خاطبني الكنّاسونَ:

انهضْ،

وزّعْ خبزاً للصِّبية حتى يُقْسم فنانون

على خبزٍ،

وزِّعْ خوذاتٍ كي تنجو الرأسُ من القارعةِ.

سيخرج رسّامونَ من التصميم الفنيّ،

ويخرج طبّاعون من البنط الأسود،

فيحنُّ مصابون إلى حضن مصابين.

يجيء الخاطرُ في الليل:

ميريتْ قادمةٌ في مركبة الشمسِ،

بعزّتها والطلعة،

حاملة جرة ماء،

والسنبلة،

ويُوداً للمستشفى الميدانيِّ،

وريشة طيرانٍ.

وأنا يطلبني في الفجر العشوائيّونَ،

وصُنّاعُ الحِلْبةِ،

يطلبني في الفجر الفارّون من الحبْكة فوق

المسرح.

طار الناشرُ والناثرُ والشاعرُ

فوق حناجر،

فتحوّلت الأحرفُ لضماداتٍ

حملتْها الغندورةُ بقلادتها والثعبانِ،

وحينئذٍ: قفزَ الكُتّابُ من الفهرس

لنعوشٍ فوق الأكتاف،

لكي ينطبق النصُّ على الشخصِ،

إذا هلَّ الخاطرُ في ليلٍ.



حلمي سالم