الجمعة، 14 أكتوبر 2011

ربيع العرب


ربيع العرب
أخبار الأدب : 16 - 04 – 2011


الجمرةُ تتدحرجُ من سهلٍ للجبلِ،
ومن جبلٍ للسهلِ،
فيتّولد من أعراسٍ سربُ جنازاتٍ،
تتوّلد من سرب جنازاتٍ أعراسٌ متتاليةٌ
تتخضّب بمدرعةٍ،
تلك مصائرُ ممسكةٌ بمصائرَ،
فيما المكتومُ بين المكتومينَ تحدثَ بلسانٍ طلقٍ
هذي الثوراتُ خفيفاتُ الظلِّ:
تؤاخي بين الموسيقي والدمِّ،
تؤاخي بين اللوتس والقارعة،
تؤاخي بين العابر والأبدي.
كان الديكتاتور يغني غنوته الشاملة:
سئمتُ السلطان،
ولكن ضميري يأبي أن أترككم للتيه وللفوضي،
مكتوبٌ أن أحملَ فوق الكاهل أقداري:
أمنحكم مجدي وفخاري
أكسو عري شتائكم القارص بدثاري
وأنير لياليكم من قبسي ونهاري
قدري أن أغلق سمعي من أجلكمو عن صوت
الغوغاء إذا صاحوا تحت شبابيكي:
ارحل يا طاغوت.
هذي الثورات العربيةُ صابرةٌ،
ومصابرةٌ.
فلعل الصبحَ يجئ ببعض الحريةِ أو بعض القوتْ
تتمهّل حتي ينضج قلبُ العشاقِ،
وحتي يسقطَ عن عوراتِ ملوكِ العتمةِ ورقُ التوتْ،
دوّارُ اللؤلؤةِ قريبٌ،
تتوالفُ أطيافٌ في رسم القزح المتنوّع:
قاسمُ حدّادُ وشيعةُ أهل البيت
يطوفون علي نبعة ريسةِ الديوان،
علي الشرقاوي وسنّةُ عمر بن الخطاب
إذا حكمَ فعدلَ فنام بجنب شجيرة سنطٍ،
علوي يسائل تاريخا: من أين يجيء الحزنُ؟،
وصيادو السمكِ عراةٌ تحت الزّخاتِ، وصيادو الياقوتْ
ورشةُ أملٍ، وجعافرة ، سجناءُ الرأي، بقايا
هبّاب قرامطةٍ، علبُ صفيحٍ في هيئات بيوتْ.
سأل الحضري البدوي: لماذا تنتفضُ الصحراءُ؟
أجاب البدوي: لأن النخلةَ عطشي.
سأل البدوي الحضري: لماذا تمشي مدنٌ للشمس؟
أجاب الحضري: لأن الشمسَ مؤنثّةٌ.
سأل الحضري البدوي: فكيف تشبّه قفزاتِ الخيل؟
أجاب البدوي: أشبهها بصراخ المكلومةٍ إن فقدتْ في الحفل ضناها،
سأل البدوي الحضري: فأين تخبئ خيمةَ قيسَ؟
أجاب الحضري: بعينٍ طارت من طلقات رصاصٍ مطاطي،
وبضلع صبي هشّمه البغلُ.
فيا صبحُ اخرج من مكمنكَ السري
المستضعف أمسكَ بيديه شئون مواجعه،
بدأ العزفَ فأدرك مضمونَ أصابعه،
جفَّفَ نهرَ مدامعه،
المستضعفُ يصنع جوهَره الفردَ المتفردَ بكنيسته وبجامعه،
خلَّقَ ذاتا للمسلوبين من الذاتِ
الجمرةُ تتدحرجُ من طبرقَ لدمشقَ،
ومن أسيوط إلي الدّوحة،
من سوسةَ للزرقاءِ،
ومن وهرانَ إلي بيروت،
ككرةِ من لهبٍ تمشي في الأفئدةِ المكظومةِ
لتلاقي أفئدةً مكظوماتْ،
شيبٌ مقهورونَ وفتياتٌ مقهوراتْ،
وهنا صنعاءُ تقوم من الغفوة،
وتجيء علي السّعف القحطاني،
علي سدٍّ من مأربَ،
وعلي مطرقةِ شيوعيينَ بعدن،
وعلي الخط المسماري، وأهداب بناتْ
وضاّحُ الحلو وقد حملَ الروحَ علي كفين وهجرَ القاتْ
زرّاع البن،
وشعراء كفيفون أذاعوا أن اليمنيين بمنفي،
أن المنفي في اليمنيين،
فيحمل واحدهم بعضَ شهيدٍ أو بعضَ رفاتْ.
ميدانُ التحرير تناسلَ:
فأناشيدُ مشابهةٌ لأناشيدَ،
وشهداءُ قرينونَ لشهداءَ،
حياةٌ من رحم الحيواتْ
الحرية واحدةٌ، والقضبانُ السجّانةُ واحدةٌ،
بينهما مشوارٌ من جثثٍ، وسماءٌ من عَصْف مأكولٍ،
نيام نهضوا من طول سباتْ
وبلادٌ تصحو من ذلٍّ، وغياهب، ومماتْ.
هذا نصحُ الطبّ:
انتبهوا يا فتيانا مبروكينَ:
من الخلف يبصُّ لصوصُ الثورات:
النفعيون ومنتفخو الأوداجِ، ومحترفو
الكلمات المدهونةِ، وكلاء الشركات
المتعددة الجنسية، سّفاحو أمن الدولة.
وهنا
الثورات العربية رقصٌ تعبيري:
فيه من الباليه كمثل بحيراتِ البجع،
إذا رفعتْ فتياتٌ بسّاماتٌ علمَ الوطنِ
علي أعينهن البسّامات،
وفيه من الرقص الشرقي إذا دوّي الدفّ بليل
الميدان ليعلن: ذابت أصماغُ الكرسي،
وفيه كرقصة سالومي
إن قُطفتْ رأسٌ حين يحين قطافُ الرأس،
وفيه من التحطيب
إذا رفّت هرّاواتٌ فوق الأدمغة الشابةِ
مشفوعاتٌ بنزيف المخ،
وفيه من الرقص الإيقاعي علي الماءِ:
الخفّة، والتجسيدُ،
رشاقاتُ الجسد البشري،
حساسيةُ المأساة،
إذا ارتصّت أبدانٌ في وجه
المطر الناري تشكّل في وهج الطلقات
جدارياتٍ من لحمٍ بشري مثقوب.
زغرودةُ هذي البنت علي كوبري قصر النيل
وداعٌ لثلاثين خريفًا،
والكوبري مقسومٌ نصفين: فنصفًا للوحش،
ونصفًا ليدين تعلقتا بالراياتْ.
خذْ بعض تحيات السيد:
يقصف درعا بالزنبق، ويداوي مجروحًا برحيقْ
طلعته أفعي ناعمةٌ، ويداه عقيقْ
يحرق مدنا بكراتِ النار،
ويلقي بالوردة في كل حريقْ،
هو حقٌّ، حقاني، وحقيقْ.
قال فتي لفتاة: ما الشِّعرُ؟
فقالت: ناسٌ تخرج للطرقاتِ، مجنحّةًً كفراشات نبي
فتاةٌ قالت لفتي: ما الحبُّ؟
فقال: صدورٌ تتلقي فوق الجسر رصاصًا حيًّا في القلب الحي.
وقال فتي لفتاةٍ: ما الجسدُ؟
فقالت: روحٌ تنزف أرواحا أدماها القنّاصونَ،
فتاةٌ قالت لفتي: ما القُبلةُ؟
قال: العَلَمُ إذا غطي الجثمان.
الثوراتُ العربيةُ ما عادت تتسكّع في باريس
منعمّةًً برذاذِ الدفء،
وما عادت تائهةًً في الظلمات تفتش عن
إلهامٍ ونبي وطريقْ
الإلهام هو النَّفْسُ المكسورةُ،
ونبيوها: الفتيانُ المبروكونَ،
وسكّتها: الصحوُ، المرحُ، ثباتُ الخطواتْ.
يا فتيانا مبروكين انتبهوا
في الليل يطلّ لصوصُ الثورات:
المتلوّنُ، والنهّازُ، مدبّر موقعةِ الجملِ،
وأكّال السُّحت، السّاترُ في اللحية سكّينَ الشرع،
ورُكّاب الموجةِ، وفتواتُ الحارات.
ساعتها، كان الديكتاتور يغني غنوته الكاملة:
سأنادي كاليجولا صنوي وزميلي
هوسُ العظمة يجمعنا، فهو النبراس لخطوي ودليلي
ننشيء حفلَ العبث المرّ، ونصطاد القمرَ بمصيدةٍ.
يعطيني مرسالَ شذوذ كوني
وأنا أعطيه مراسيلي
وأنادي نيرون العذبَ المتسامحَ
درّةَ أترابي
نحرق مدنا إن رفعت صوتاً ينكر أن وجودينا
هبةُ الله الوّهابِ
نضحك منتشين إذا أكلتْ ألسنةُ اللهبِ
الشعبَ الجاحدَ، تاركةً أحبابَ عطاياه وأحبابي
يهديني بالكرم خرائبه،
وأنا أهديه خرابي
سأنادي الحاكمَ من أمر الله
شبيهي وقريني
فأحدّد للمحكومين صنوفَ الأكل، صنوفَ الشرب،
وأصدر مرسوما من هجسي وظنوني
شكي في غدر الشعب يقيني
وأنادي الفاشيينَ اللطفاءَ
رفاقَ الدرب، عشيرةَ عمري
لنكمم كلَّ فمٍ لا يلهج بالشكر علي نعمتنا،
ثم نعبُّ النخبَ بجمجمةٍ.
كان السيدُ مقفولَ الأذن،
فلم يسمع تحت نوافذه حنجرةَ ملايين المحرومين:
الثوراتُ العربياتُ جنينٌ في يافا،
ويصير بنجرانَ وليدا
ثم صبيا في ميدان المنشية، صلبًا ، وعنيدا
يغدو شاباً في تعزّ، بهيا، فطرياً، وجديدا
رجلاً في الدار البيضاء، فريدَ الصيحة ، وفريدا
ويصير بعمّانَ شهيدا.
الجمرةُ تتدحرج من باديةً للمدن،
ومن مدنٍ للبادية،
من الرمل إلي الزرع، من الزرع إلي الرمل،
انكسر القمقمُ فتعالت صرخاتٌ:
هيا نعتق أنفسنا من قيد التاريخ ومن قيد الجغرافيا،
هذي رقصة بنغازي تغمر أطراق المعمورة:
في الحلم سيصعد عمرُ المختارُ علي مصراتة،
معتمرا بالكوفية والصبر وحكمةِ كهل يهمس:
إن مكروا فالله خير المكارين،
ويصعد إبراهيمُ الكوني علي الزاوية، يداعب بأنامله سريانَ اللوكيميا،
ويشرِّح بالسردِ طوارقَ بدوٍ،
ويعالج كبدَ الصحراء،
ويصعد ابنُ فقيهٍ صالحُ من سرت، تعذبّه الضمّةُ والكسْرةُ،
ويعذّبه الأخدودُ الفاصلُ بين الملكِ وبين الملكوتِ،
وشلقمُ يغتسل من الدَّنس بماء الينبوع،
ويختتم جهانُ اللوحةَ برتوشٍ ساخرةٍ:
الدكتاتور أنيقٌ وحليقٌ ورشيقْ
الدكتاتور رقيقْ
يتجوّل بين رعاياه يرشُّ النعمةَ:
دارا دارا،
زنقاتٍ زنقاتٍ،
وطريقاً بطريقْ
فالدكتاتور أخٌ، وقريبٌ ، وصديقْ.
سأل صبي شيخا: ما الثوراتُ العربيةُ؟
فأجاب الشيخ: تمائمُ علّقها الله علي عنقِ المحرومين
وسأل الشيخُ صبيا: ما المتهمّشُ؟
فأجاب صبي: قدرٌ يتفتّقُ عن بَشرٍ.
سأل صبي شيخا: فلماذا تقفز جمراتٌ من طنجةَ حتي
حمصَ؟
أجاب الشيخ: لأن الرقصةَ سيدةٌ سائدةٌ،
ولأن الأحلامَ الذاهبةَ مع الحلكةِ عائدةٌ،
ولأن دماءَ الشهدا، شاهدةٌ.
سأل الشيخُ صبيا: أين سندفن فتيانَ الجمعة؟
فأجاب صبي: في زهرة عبّاد الشمسِ.
الجمرة تتقافز من حماٍ مسنونْ
والثوراتُ العربيةُ رقصاتٌ هائمةٌ بغرام مبتكرٍ،
طيرانٌ من شجرٍ للشجر، ومن كافٍ للنونْ
ونزوعٌ لسدادِ النقصِ،
وشهوةُ خلقٍ،
وجنونْ.
خذْ بعضَ تحياتِ المنسيينَ:
ربيعُ العرب مفاجأةٌ،
وربيعُ العربِ حنونْ.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق